موريتانيا والجزائر: وطن واحد لشعب واحد- موقع الفكر

صورة متخيلة من رباط المرابطون في جديرة تيدرة- من موقع الجزيرة

في لحظات المحن الكبرى، لا تُقاس العلاقات بين الدول بعدد البيانات الدبلوماسية ولا بوفرة عبارات المجاملة، وإنما تُقاس بقدرتها على استحضار المعنى الحقيقي للأخوة، وعلى تحويل التاريخ المشترك إلى موقف إنساني صادق. ومن هذا المنطلق، فإن الوقوف إلى جانب الجزائر الشقيقة في محنتها الراهنة، على إثر الحرائق التي اجتاحت عددًا من المناطق وخلفت ضحايا ومصابين ومتضررين، ليس مجرد واجب بروتوكولي تمليه قواعد العلاقات الدولية، بل هو واجب أخوي وإسلامي وإنساني  يستند إلى تاريخ طويل من الروابط بين الشعبين الموريتاني والجزائري.

لقد أعلنت السلطات الجزائرية الحداد الوطني إثر الحرائق الأخيرة التي مست عدة ولايات، فيما تواصلت عمليات الإطفاء والإنقاذ والتكفل بالمصابين والمتضررين، في مشهد إنساني مؤلم أعاد إلى الواجهة معنى التضامن الوطني والمجتمعي في مواجهة الكوارث. كما دعت المؤسسات الدينية في الجزائر إلى تعزيز التكافل والوقوف إلى جانب الأسر المنكوبة، وهو نداء تتجاوز دلالاته حدود الدولة الواحدة إلى الفضاء العربي والإسلامي الأوسع.

وبالنسبة لموريتانيا، فإن الجزائر ليست بلدًا بعيدًا يُكتفى تجاه محنته بعبارات التعاطف العابرة. فالعلاقات بين البلدين شهدت خلال السنوات الأخيرة انتقالًا نوعيًا من مستوى التنسيق التقليدي إلى مرحلة الشراكة الاستراتيجية والمشاريع المشتركة. وفي أبريل 2026، انعقدت الدورة العشرون للجنة المشتركة الكبرى الجزائرية–الموريتانية، في مؤشر واضح على انتظام الحوار السياسي والمؤسسي بين البلدين وحرصهما على توسيع مجالات التعاون.

وهل يمكننا أن ننسى موقف الجزائر من أزمة العام 1989، حين دخل طيرانها كل السنغال لنقل اهل موريتانيا دون استثناء ودون أن تقول إن تسوي بين الجلاد وضحيته..

مآثر سرت حين يملى حديثها. صديقا كما ساءت عدوا وحاسدا

ولعل أبرز تجليات هذا التحول هو مشروع الطريق البري الرابط بين تندوف الجزائرية وازويرات الموريتانية، وهو مشروع إستراتيجي يبلغ طول مساره نحو 800 كلم، بحسب المعطيات الرسمية، ولا يمثل مجرد طريق للنقل، بل مشروعًا لإعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية بين شمال إفريقيا وعمقها الغربي والإفريقي. فهذا الطريق يحمل في جوهره فكرة أكبر من الإسفلت والجسور: إنه محاولة لتحويل الحدود من فضاء للعزلة إلى فضاء للتبادل والتكامل.

كما لم يعد التعاون مقتصرًا على الطرق والمعابر. فالمباحثات والاتفاقات بين البلدين شملت النقل والتجهيز والتعاون الاقتصادي والمالي، إلى جانب مجالات التعليم والتكوين والطاقة والصحة والرقمنة.   

ويمكن التنبيه إلى أن الجزائر اصبحت من الوجهات المفضلة للمرضى الموريتانيين خاصة السرطانات وامراض الكبد، اشفع هذا التطور الذي تأخر كثير بإشراف علماء الجزائر وتأطيرهم في عمليات زراعة بعض الأعضاء النبيلة..

أما على المستوى الأمني، فإن موريتانيا والجزائر تواجهان تحديات متشابهة في فضاء إقليمي شديد الحساسية، يتصل بالإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية وتهريب المخدرات. ولذلك تطور التنسيق الأمني بينهما ليصبح جزءًا أساسيًا من حماية المصالح المشتركة واستقرار المنطقة. 

من هنا، فإن التضامن الموريتاني مع الجزائر في محنتها الراهنة لا ينبغي النظر إليه بوصفه موقفًا عاطفيًا معزولًا عن سياقه، بل باعتباره امتدادًا طبيعيًا لعلاقة تتعمق جذورها يومًا بعد يوم. فالأخوة الحقيقية ليست اتفاقًا يُوقَّع في قاعات الاجتماعات، وإنما موقف يظهر عندما تتعرض الشعوب للألم والخسارة

إن الشعب الجزائري، الذي كتب صفحات مضيئة في تاريخ النضال والتحرر، والذي ظل حاضرًا في قضايا أمته وإفريقيا، يستحق في هذه اللحظات أن يسمع من أشقائه صوتًا واضحًا يقول: إنكم لستم وحدكم في مواجهة الألم. وموريتانيا، التي تربطها بالجزائر وشائج الجغرافيا والتاريخ والانتماء العربي والإسلامي والإفريقي، التي ارسها تاريخ مشرق يزيد على ألف سنة أرساه طارق بن زياد وعقبة بن نافع والإمام عبد الله بن ياسين ويوسف بن تاشفين وغيرهم من رواد التأسيس معنية أكثر من غيرها بأن يكون تضامنها صادقًا وحاضرًا في الوجدان والموقف.

لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن نواكشوط والجزائر لم تعودا تنظران إلى علاقتهما باعتبارها مجرد علاقة ثنائية تقليدية. فهناك اليوم معابر مفتوحة، وطريق استراتيجي قيد الإنجاز، ولجان مشتركة، وتنسيق أمني، وتعاون اقتصادي، ومشاريع تنموية، وحوار سياسي متواصل. وهذه الحقائق تجعل من العلاقة بين البلدين **رصيدًا استراتيجيًا يجب حمايته وتعزيزه**.

وفي مثل هذه الظروف، يصبح التضامن رسالة في الاتجاهين: رسالة للشعب الجزائري بأن أشقاءه الموريتانيين يتقاسمون معه الحزن ويدعون لضحاياه بالرحمة ولمصابيه بالشفاء، ورسالة للمستقبل مفادها أن الجسور التي تُبنى بين الشعوب ليست طرقًا ومعابر ومؤسسات فقط، بل هي أيضًا **مواقف إنسانية تحفظها الذاكرة الجماعية**.

إن الجزائر اليوم تواجه ألمًا إنسانيًا يستدعي التعاطف والتكاتف، وموريتانيا مدعوة، شعبًا ومؤسسات ونخبًا وإعلامًا، إلى التعبير عن أصدق معاني المواساة والتضامن. فالمحن عابرة، أما الأخوة الصادقة فتبقى؛ والحرائق مهما امتدت رقعتها لا تستطيع أن تحرق الجسور التي بناها التاريخ بين شعبين شقيقين.

رحم الله ضحايا الجزائر، وشفى مصابيها، وحفظها من كل سوء، وأدام بين موريتانيا والجزائر روابط الأخوة والتعاون والتضامن، والوحدة  وجعل ما يجمع الشعبين أكبر من كل ظرف، وأبقى من كل محنة.

نهديك سلاما ياجزائر  من شعب موريتاني  ومن كل أحرار العالم