
شهدت مدينة نواكشوط أزمة كهربائية حادة إثر اندلاع عدة حرائق في محوّلات كهربائية، ما تسبب في شلل النشاط الاقتصادي وتوقف الخدمات الاستشفائية والعمليات المطارية وكل الأنشطة الرياضية. الأمر الذي دفع إلى تشكيل لجنة وطنية للتحقيق برئاسة وزير سابق لتسليط الضوء على الأحداث واقتراح حلول وتوصيات تقنية، بدعم من دول مثل فرنسا وسويسرا وكندا والمغرب والسنغال.
حوادث استثنائية
في إطار إثراء هذا النقاش الوطني، نشر المهندس الشيخ أحمد محمد، الحاصل على شهادة مهندس من الاتحاد السوفيتي والسنغال، والمسؤول عن مكتب الدراسات "BE MEGELEC NDB"، مقالًا يتساءل فيه عما إذا كان يمكن اعتبار هذين الحريقين حادثين معزولين داخل شبكة كهربائية تتدهور منذ سنوات ونظام أصبح فيه انقطاع التيار جزءًا من يوميات المواطنين.
ويشدّد الكاتب على أن المشكلة أوسع بكثير من هذين المحوّلين المحترقين، فلو كانت شبكة نواكشوط تعمل بكفاءة واستقرار وكانت الأعطال نادرة ومحدودة، لكان من السهل اعتبار هذه الحرائق حوادث استثنائية. لكن واقع السكان اليومي مختلف تمامًا، إذ يعانون من انقطاعات متكررة وخدمة غير موثوقة وأعطال تمتد أحيانًا على مناطق واسعة، ما يكشف عن مشكلة تتجاوز مجرد انقطاع التيار خلال ذروة الاستهلاك، لتتعلق بقدرة الشبكة الوطنية على ضمان إنتاج كافٍ ومستقر في السنوات المقبلة.
برنامج الربط الكهربائي
تشير المعطيات الدولية الأخيرة إلى أن البلاد لا تتوفر حاليًا على هامش مريح من قدرة إنتاج احتياطية، ما يجعل النظام أكثر هشاشة أمام الاضطرابات في أوقات الذروة، خاصة مع تزايد الطلب بنحو 10% سنويًا مقابل قدرة إنتاج مركّبة تبلغ حوالي 450 ميغاواط.
ومع استمرار نمو الطلب بنحو 5% سنويًا، قد تتكرر المشكلة في السنوات المقبلة إذا لم تتقدم مشاريع الإنتاج الجديدة بالوتيرة المطلوبة. ومنذ 2023، أطلقت البلاد مشاريع لإضافة أكثر من 300 ميغاواط من الطاقة الشمسية والريحية، فيما بلغت القدرة المركّبة للطاقات المتجددة 900 ميغاواط نهاية 2026.
ويهدف برنامج الربط الكهربائي بين موريتانيا والمغرب إلى قدرة تصل إلى 300 ميغاواط، على أن يدخل حيز التشغيل سنة 2026، لكن البنك الدولي يرى أنه لكي يهتم المستثمرون بالطاقات البديلة، ينبغي أن تلتزم الدولة بتغطية كلفة إنتاجها، ما يعني ضرورة تحسين الوضعية المالية لشركة "صوملك".
دراسة الأضرار الناجمة
يرى الكاتب أن أزمة الكهرباء المستمرة في نواكشوط ستبقى قائمة في السنوات المقبلة، خاصة إذا استمر الاستهلاك في النمو أسرع من قدرة الإنتاج، وتأخرت مشاريع محطات الكهرباء والطاقات المتجددة، وظل الإنتاج معتمدًا بشكل كبير على الغاز المستورد، مؤكدًا أن المعطيات الدولية تفيد بضرورة زيادة الإنتاج وتأمين مصادر الطاقة وتحسين الوضعية المالية للشركة وتسريع تنفيذ المشاريع الجديدة.
وثمّن الكاتب قرار الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بتعيين لجنة تحقيق لتحديد أسباب الأزمة الطاقية ومسؤولياتها، معتبرًا أنه قرار مهم وضروري، وأنه من المعقول دراسة الأضرار الناجمة عن هذا الحادث، إذ فقدت بعض الأسر مؤونتها وتكبدت الشركات الصغيرة خسائر مالية وتعرضت أنشطة كثيرة تعتمد على الكهرباء للاضطراب.
وطالب الكاتب بتقييم ملموس لتأثير هذا الانقطاع المطوّل على الخدمات الأساسية وعلى المواطنين إنسانيًا ونفسيا.
تحليل التدخلات اللازمة
وفي ذات السياق، أشار المصدر ذاته إلى أن انقطاعًا بهذا الطول في عاصمة وطنية مثل نواكشوط قد يولّد القلق والتوتر وحتى الصدمة النفسية، وأن هدف التحقيق لا ينبغي أن يقتصر على تحديد الأسباب والمسؤولين، بل يجب أن يشمل فهم المعاناة والخسائر التي تحمّلها المواطنون، بحيث يتجاوز التحقيق مجرد البحث في أسباب الأعطال ليصل إلى تقدير حقيقي للأضرار والنتائج والآثار.
ودعا إلى تقييم حالة محوّلات الشبكة الكهربائية تقنيًا، من خلال دراسة المعايير الكهربائية والفيزيائية والكيميائية للزيوت العازلة، لتوفير معلومات عن جودة العزل والكشف عن العلامات المبكرة للأعطال، بحيث تكشف النتائج عن حالة المحوّلين قبل الحادث وبعده.
وأوضح أن مراقبة هذا النوع من المنشآت تتيح الكشف في الوقت المناسب عن العيوب الناشئة لتفادي الأعطال المحتملة، واعتماد مقاربة فعالة للصيانة وتحديد الفترات المثلى لاستبدالها، مذكّرًا بأن تمديد عمر محوّلات القدرة موضوع بالغ الأهمية لمشغّلي الشبكات، إذ تمثل هذه المعدات نحو 60% من رأسمال محطة التحويل، ما يجعل متابعتها الدقيقة ضمانة للأداء والاستدامة، ويقتضي تحليل التدخلات اللازمة تقنيًا وماليًا واستباقها للحفاظ على تشغيل محوّلات التغذية المبرّدة بالسائل.
واقترح الكاتب إجراء تحاليل للتحقق من حالة العازل، تشمل الصلابة العازلة ومحتوى الماء ودرجة الحموضة، للوقاية من الأعطال التي قد تُفسد خصائص العوازل وتحديد مدى تقدمها، من خلال الكروماتوغرافيا الغازية للكشف عن الأحداث التي قد تسبب تدهور العوازل، والكروماتوغرافيا السائلة لمتابعة تدهور أوراق توجيه البكرات، بحيث تتيح نتائج هذه التحاليل استباق أعمال الصيانة وكلفتها.
رابط المقال:
https://mondafrique.com/libre-opinion/les-raisons-de-la-crise-de-lelectr...













