الكسكس الموريتاني "نغومو": طبق يتجاوز المائدة ليصبح تراثاً وطنياً

في موريتانيا، لا يُعدّ الكسكس مجرد وجبة يومية، بل هو إرث حضاري يتوارثه الموريتانيون جيلاً بعد جيل. يُعرف محلياً باسم "نغومو"، وتتصاعد أبخرته كل صباح من قدور النساء في الأحياء، ناشرةً عبيراً دافئاً يختلط برائحة التوابل واللحم.

 مفترق الكسكس... حيث يبدأ الحكاية

في أحد مفترقات العاصمة نواكشوط، تتجمع النساء منذ الصباح حتى المساء لتحضير الكسكس وبيعه، إلى الحد الذي بات فيه المكان يُعرف باسم "مفترق الكسكس". تجلس مريم منت أحمد أمام أطباقها وقد أحاطت بها أكوام من السميد المنخول بعناية، لتشرح بخطوات دقيقة أسرار إعداد الطبق: "يُنخل السميد ويُبلل ويُفرك باليد، ثم يُطهى على البخار فوق قدر الكسكس. أما اللحم فيُطهى ببطء مع البهارات والخضروات. وفي النهاية، يُرتب السميد في طبق، ويُضاف إليه اللحم والخضار، ثم يُسكب المرق قبل التقديم".

وتوضح مريم أن هذا الإقبال الكبير ليس وليد الصدفة، بل يعود إلى مكانة الطبق في وجدان الموريتانيين: "الكسكس جزء من التراث الغذائي الموريتاني، ويُحضّر بعناية خاصة في الأعراس والمناسبات الكبرى. يحبه الضيوف، وكثيراً ما يسألون عن الأماكن التي يمكن تذوقه فيها".

من المائدة المحلية إلى الأسواق الإقليمية

وقد فتحت هذه المكانة التي يحظى بها "نغومو" داخل البلاد هي نفسها له أبواب التصدير خارجها. فلا يقتصر عشق الطبق على الموريتانيين وحدهم، إذ تشير إيزه منت إبراهيم إلى أن آلاف الأكياس من الكسكس الجاف تُصدَّر سنوياً إلى دول الجوار. وتشرح: "بالنسبة للكسكس الجاف الذي نصدّره، نستخدم السميد والطحين. وبدلاً من قدر البخار، نمدّه على قماش نظيف ليصل إلى الجفاف الكامل، ثم نعبئه في أكياس ونشحنه إلى المنطقة. بعض الزبائن يتصلون بنا ونربطهم بسائقين، وآخرون يرسلون أقاربهم لشرائه وإرساله إلى عائلاتهم".

ويبدو أن هذا الامتداد خارج الحدود لم يغيّر من طبيعة الطبق كوجبة اجتماعية بامتياز، وهو ما يؤكده وليد، أحد زوار مفترق الكسكس، بابتسامة: "إنه طبق موريتاني رائع، خصوصاً عندما يُقدَّم مع الخضار. إنه لذيذ حقاً".

تراث يستدعي الحماية الرسمية

وإذا كان "نغومو" يحظى بهذا الحضور الشعبي الواسع، فإن الحفاظ عليه وضمان استمراريته يقتضيان جهداً مؤسسياً موازياً. ومن هنا، حرصت الدولة الموريتانية على حفظ هذا الإرث وتوارثه بين الأجيال، عبر إنشاء "المدرسة الوطنية لمهن السياحة" عام 2021، التي يوضح مديرها العام محمدو زين العابدين أهدافها: "الهدف الأول هو جرد تراثنا، ثم تدريب مدربات على الأساليب التربوية لنقل هذه المعرفة إلى الأجيال الشابة، والهدف الثالث هو أن يُعترف بهذا التراث على مستوى اليونسكو كتراث غذائي خاص بموريتانيا".

وهكذا، يبقى "نغومو" أكثر من مجرد وجبة؛ إنه طبق يجمع العائلات والضيوف حول مائدة واحدة، ويجسّد قيماً من الكرم والضيافة والتلاحم الاجتماعي، ما يجعله جديراً بأن يُصان ويُوثَّق كتراث وطني خالص.

رابط المقال:
https://www.rfi.fr/fr/podcasts/reportage-afrique/20260918-mauritanie-le-...