“جون أفريك”:المغرب والجزائر يتنافسان على استقطاب موريتانيا.. ونواكشوط تتمسك بالحياد 

كثف المغرب والجزائر خلال الأشهر الأخيرة تحركاتهما الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية تجاه موريتانيا، في سياق تنافس إقليمي يمتد من التجارة والطاقة والبنى التحتية إلى الأمن ومنطقة الساحل والوصول إلى المحيط الأطلسي، فيما تواصل نواكشوط سياسة تقوم على الحفاظ على علاقات متوازنة مع الجارين المغاربيين، وفق تقرير نشرته مجلة “جون أفريك” الفرنسية.

وقالت المجلة، في تقرير للصحفية نينا كوزلوفسكي نشر في 21 شتنبر، إن وزيري الخارجية المغربي ناصر بوريطة والجزائري أحمد عطاف يجسدان مقاربتين دبلوماسيتين ومشروعين إقليميين متنافسين، بينما تتجنب موريتانيا الانحياز بصورة واضحة إلى أي منهما.

 

وتزامن هذا النشاط، بحسب التقرير، مع سلسلة من اللقاءات رفيعة المستوى. ففي 6 أبريل استقبل عطاف في الجزائر نظيره الموريتاني محمد سالم ولد مرزوق، بالتزامن مع انعقاد اللجنة المشتركة الكبرى بين البلدين بمشاركة رئيس الوزراء الموريتاني المختار ولد أجاي وعدد من أعضاء حكومته، قبل أن يستقبله الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في اليوم التالي.

وفي الفترة نفسها، استقبل الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني المسؤول العسكري المغربي محمد بريظ، على هامش اجتماع اللجنة العسكرية المشتركة المغربية الموريتانية، الذي تناول التعاون في مجالات التدريب والتخطيط العملياتي والتهديدات الأمنية في منطقة الساحل.

“حياد إيجابي” في قضية الصحراء

وترى “جون أفريك” أن قضية الصحراء تظل أحد أهم العوامل التي تحدد دقة التوازن الذي تحاول موريتانيا الحفاظ عليه بين المغرب والجزائر، اللذين قطعا علاقاتهما الدبلوماسية منذ غشت 2021.

وتعترف موريتانيا بـ”الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” منذ عام 1984، لكنها تتمسك في الوقت نفسه بما تصفه بـ”الحياد الإيجابي” في النزاع، مع احتفاظها بعلاقات وثيقة مع الرباط والجزائر.

ونقل التقرير عن تحليل للمعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية “إس دبليو بي” أن المصالح التجارية تدفع موريتانيا إلى توثيق علاقاتها مع المغرب، بينما تجعل علاقاتها مع الجزائر وجبهة البوليساريو، فضلا عن الروابط الاجتماعية والعائلية في المنطقة، أي اصطفاف كامل إلى جانب طرف واحد خيارا محفوفا بالمخاطر.

وفي المقابل، أبقت نواكشوط مسافة بينها وبين مبادرات جزائرية لإقامة إطار مغاربي جديد من دون المغرب.

وبعد نحو ستة أسابيع من اجتماعات الجزائر، زار وزير الخارجية الموريتاني الرباط في 22 ماي، حيث استقبله بوريطة بصفته مبعوثا للرئيس الغزواني حاملا رسالة إلى الملك محمد السادس.

طريق تندوف ـ الزويرات في قلب التحرك الجزائري

وبحسب “جون أفريك”، تمثل موريتانيا بالنسبة إلى الجزائر جاراً مستقراً وبوابة مباشرة باتجاه غرب أفريقيا والمحيط الأطلسي، خصوصا في ظل تراجع هامش تحرك الجزائر في مالي، بالتزامن مع تعزيز المغرب علاقاته مع دول تحالف دول الساحل، مالي والنيجر وبوركينا فاسو.

أخبارالمغرب

ويبرز في الاستراتيجية الجزائرية مشروع طريق تندوف ـ الزويرات، البالغ طوله نحو 840 كيلومترا، والذي لا يزال قيد الإنجاز ويهدف إلى تسهيل وصول المنتجات والشركات الجزائرية إلى الأسواق الموريتانية وغرب أفريقيا.

وتتولى شركات جزائرية إنجاز الجزء الموريتاني من الطريق، على أن تستغله الجزائر، بحسب التقرير، بموجب امتياز لمدة عشر سنوات بعد اكتماله، بالتوازي مع إنشاء منطقة حرة تجارية وصناعية في تندوف.

كما وقعت الجزائر وموريتانيا خلال اجتماعات اللجنة المشتركة في أبريل سلسلة اتفاقيات ومذكرات تفاهم تشمل الأمن والمحروقات والصناعة والزراعة والنقل.

المغرب يراهن على التجارة والربط الكهربائي

في المقابل، ينطلق المغرب من بنية تجارية قائمة تربطه بموريتانيا وغرب أفريقيا عبر محور الداخلة ـ الكركرات.

ووفقا للأرقام التي أوردتها “جون أفريك” نقلا عن الوكالة الوطنية للإحصاء والتحليل الديمغرافي والاقتصادي في موريتانيا، استحوذ المغرب خلال 2025 على 37 في المئة من واردات موريتانيا القادمة من أفريقيا، ما جعله أكبر مورد أفريقي للسوق الموريتانية.

ويضاف إلى هذا المحور مشروع للربط الكهربائي المباشر بين البلدين. ويعمل المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب والشركة الموريتانية للكهرباء على التحضير لخط بجهد 400 كيلوفولت بين الداخلة وبولنوار.

وبعد اتفاق وقعه الطرفان في فبراير 2025، أسند المكتب المغربي في أبريل 2026 إلى مكتب دراسات مغربي مهمة إنجاز الدراسة الطبوغرافية لمسار المشروع، الذي يفترض أن يتيح مستقبلا تبادل الكهرباء بين البلدين وتعزيز الربط مع أسواق غرب أفريقيا.

وأشار التقرير أيضا إلى العلاقات المباشرة بين الملك محمد السادس والرئيس الغزواني، الذي زار المغرب في دجنبر 2024 والتقى العاهل المغربي في الدار البيضاء، حيث تناولت المحادثات مشروع أنبوب الغاز الأفريقي الأطلسي والمبادرة المغربية الرامية إلى منح دول الساحل غير الساحلية منفذا إلى المحيط الأطلسي.

أخبارالمغرب

موريتانيا تتجنب الانخراط الكامل

غير أن “جون أفريك” ترى أن نواكشوط تتعامل مع المشاريع المغربية والجزائرية بمنطق انتقائي، مستفيدة مما يخدم مصالحها من دون الالتحاق الكامل بالمشروع الإقليمي لأي من الجارين.

ففي حين أعلنت مالي والنيجر وبوركينا فاسو دعمها للمبادرة الأطلسية المغربية، لم تنضم إليها موريتانيا، رغم أن موقعها الجغرافي يجعل أراضيها مهمة للربط البري بين المغرب ودول الساحل.

ويربط تحليل “إس دبليو بي” هذا التحفظ، من جهة، برغبة موريتانيا في تطوير موانئها وبنيتها اللوجستية الخاصة، ومن جهة أخرى بموقفها من نزاع الصحراء، إذ إن الانخراط في مشروع يمر عبر المنطقة المتنازع عليها قد يطرح تساؤلات بشأن سياسة “الحياد الإيجابي” التي تتبناها نواكشوط.

وفي الوقت نفسه، أشار التقرير إلى مؤشرات على حرص السلطات الموريتانية على ضبط علاقتها مع جبهة البوليساريو. ففي 23 فبراير استقبل الغزواني وفدا من الجبهة برئاسة حمة سلامة، رئيس المجلس الوطني الصحراوي، في لقاء قالت وسائل إعلام مغربية إنه جرى من دون رفع علم “الجمهورية الصحراوية”.

كما أورد التقرير أن الجيش الموريتاني كان قد اعترض قبل ذلك بيومين مركبات تابعة لعناصر من البوليساريو دخلت الأراضي الموريتانية، فيما لم يوجه الغزواني في مارس رسالة تهنئة علنية إلى زعيم الجبهة إبراهيم غالي بمناسبة عيد الفطر، خلافا لما جرت عليه العادة.

ويخلص تقرير “جون أفريك” إلى أن موريتانيا تحاول الاستفادة من التنافس المغربي الجزائري من دون التحول إلى ساحة اصطفاف بين البلدين، عبر الجمع بين الممر التجاري المغربي ومشاريع الربط مع الجزائر، والتعاون الأمني مع الطرفين، مع المحافظة على موقف حذر من قضية الصحراء والمشاريع الإقليمية المتنافسة التي تسعى كل من الرباط والجزائر إلى تطويرها في الساحل وغرب أفريقيا.

المصدر: 

https://lakome2.com/decryptage/431021/