تدوينة نائب تفجّر نقاشا حول المديونية وتسيير المال العام

كانت تدوينة قصيرة للنائب محمد بوي الشيخ محمد فاضل كافية لإشعال سجال واسع حول المديونية والتسيير المالي للدولة، تقابلت فيه ثلاثة مواقف: قراءة نقدية لأرقام البنك الدولي، وردّ من الأغلبية، ومطالبة حزبية بالشفافية.

نصّ التدوينة:

«أرقام مخيفة: من البنك الدولي وحده:
استدانت موريتانيا من 1960 إلى 2019، لمدة 60 سنة، مبلغا قدره مليار وثلاثمائة مليون دولار.
واستدانت من 2019 إلى 2026، لمدة 7 سنوات، مبلغا قدره مليار وأربعمائة مليون دولار.
يعني: تسعة أنظمة في ستين سنة = 1.3 مليار دولار. ونظام واحد في سبع سنين = 1.4 مليار دولار».

وتطرح التدوينة سؤالا انقسم حوله المتابعون: هل العيب في الاستدانة نفسها؟ أم في طريقة تسيير الأموال المستدانة؟ أم أن الأمر لا يعدو مضمارا للمناكفة بين المعارضة والأغلبية؟

أولا: غورمو عبدول لو — «الالتزام المالي ليس صرفا ولا منشأة»

شكّك الكاتب غورمو عبدول لو في الأساس التحليلي للمقارنة، معتبرا أن الرقم قد يكون صحيحا لكن الخلاصة المستنبطة منه ليست كذلك. وذكّر، في مقال نشره في 27 سبتمبر، بأن الالتزام المالي من البنك الدولي «لا يعني مبلغا صُرف كاملا، ولا منشأة أُنجزت، ولا نتيجة تحققت»، وإنما تمويلا جرت الموافقة عليه ويظل صرفه مشروطا بدخول المشروع حيز التنفيذ.

وانتقد مقارنة دولارات 2026 بدولارات الستينيات دون احتساب التضخم والنمو الديمغرافي وتوسّع موارد المؤسسة الدولية للتنمية، قائلا إن معظم الزيادة تفسّرها عوامل خارجة عن أداء الحكومات.

وتوقف عند ما سماه «الرقم المدفون في آخر البلاغ»: بقاء 805.6 ملايين دولار دون صرف حتى 31 أغسطس 2026، خصوصا في الطاقة والرقمنة — أي قرابة نصف ما جرى الحصول عليه في سبع سنوات. واعتبره دليلا على «إدارة تعجز عن تحويل المال المتاح إلى طرق وكهرباء ومدارس وخدمات صحية»، مستشهدا بإقرار الوزير الأول بأن معدات كهربائية اقتُنيت ضمن برنامج تنمية نواكشوط لا تزال في المخازن والحاويات دون تركيب، بينما حُرمت ست من بلديات العاصمة التسع من الكهرباء أياما بعد حريقَي محطتي التحويل في أغسطس.

ورفض تحويل تقييمات المانحين إلى «شهادات حُسن سلوك»، لأن ذلك «ينقل سلطة الحكم من نواكشوط إلى واشنطن». واستدل بإقرار صندوق النقد لاحقا بأن برنامجي 1999 و2003 بُنيا على بيانات مغلوطة، وبأن عهدا أشاد الشركاء باستقراره انتهى بحكم على رئيس سابق بالسجن خمس عشرة سنة، وباعتراف البنك الدولي نفسه — منذ تقرير وابنهانس 1992 — بوجود «ثقافة الموافقة» يتقدم فيها حجم القروض على جودة التنفيذ.

وذكّر بأن المفتشية العامة للدولة رصدت اختلالات بأثر مالي تجاوز 2.37 مليار أوقية، تستأثر الصفقات العمومية بنحو 60% منها — وهي القناة نفسها التي تمر عبرها تمويلات المانحين — وأن موريتانيا نالت في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 ثلاثين نقطة من أصل مئة.

وأقرّ في المقابل بأن معظم هذه التمويلات مُيسَّر أو في صورة هبات، وأن رصيد الدين المستحق للبنك البالغ 651 مليون دولار قابل للتحمل، وأن حاجة البلاد إلى الطاقة والبنى التحتية حقيقية، وخلص إلى أن السؤال ليس «هل نقترض؟» بل «كيف نقترض، ولمن تُوجَّه الأموال، وتحت أي رقابة؟»، مطالبا بنشر نسب الصرف في كل مشروع، وشروط دعم الميزانية الممنوح في نوفمبر 2025، وأسماء المستفيدين الحقيقيين من الشركات المتعاقدة.

وختم بأن موريتانيا «لم تفتقر يوما إلى الأموال الموعودة، وإنما افتقرت إلى الشفافية بشأن الأموال المنفقة»، وأن الحصيلة لا تُقاس بالالتزامات المنتزعة في واشنطن «وإنما بالنتائج القابلة للتحقق في بوغي وكيفه والنعمة وأحياء نواكشوط».

ثانيا: زين العابدين المنير — «مقارنة ساذجة اقتصاديا»

وصف رئيس الفريق البرلماني لحزب الإنصاف الحاكم، النائب زين العابدين المنير، المقارنة بأنها «ساذجة اقتصاديا»، لأنها تنتقي ممولا واحدا وتقدّمه كأنه يختصر وضع المديونية كله، وتتجاهل المؤشر الأهم: حجم الدين نسبة إلى الاقتصاد.

وقال، في تدوينة على فيسبوك، إن نسبة دين القطاع العام إلى الناتج المحلي تراجعت من نحو 70% سنة 2019 إلى نحو 40% اليوم رغم التمويلات المحصَّل عليها، متسائلا: كيف يُستدل بارتفاع التمويل من جهة واحدة على تفاقم المديونية بينما المؤشر الكلي يسير في الاتجاه المعاكس؟ وأضاف أن المقارنة تتجاهل ما سُدّد أو سُوِّي من ديون في الفترة نفسها، كانخفاض رصيد البنك الإسلامي للتنمية وتسوية الدين الكويتي الموروث من السبعينيات.

تفكيك الرقم: شدد على أن مبلغ 1.64 مليار دولار يمثل تمويلات لا ديونا خالصة، إذ يدور المكوّن القابل للسداد حول 900 مليون دولار، مقابل نحو 575 مليون دولار على الأقل من المنح غير المستردة، وأن تقديم المبلغ كله باعتباره استدانة «يخلط بين التمويل والدين، وبين القرض والمنحة».

القوة الشرائية: أضاف أن 900 مليون دولار بقيمة اليوم تعادل نحو 351 مليون دولار بأسعار 1990، و221 مليونا بأسعار 1980، و104 ملايين بأسعار 1970.

حجم الاقتصاد: أوضح أن الناتج المحلي الإجمالي تجاوز وفق تقديرات 2026 أربعة عشر مليار دولار، وأن 900 مليون دولار موزعة على سبع سنوات ينبغي أن تُقرأ في ضوء هذا الحجم وشروط القروض وآجالها.

وختم بأن هذه القروض ليست «مجهولة الوجهة»، فمشاريعها موثقة في قطاعات الطاقة والصحة والزراعة والمياه والحماية الاجتماعية والرقمنة وتشغيل الشباب، وأن مناقشة سرعة التنفيذ وجودته وحجم الأثر ممكنة «بعيدا عن تزييف الحقائق».

ثالثا: «موريتانيا إلى الأمام» — كشف شفاف ورقابة برلمانية

دعا حزب «موريتانيا إلى الأمام» إلى نشر كشف شفاف بجميع القروض والمنح والتمويلات الخارجية وشروطها وتكاليفها والجهات المستفيدة منها، وإلى إخضاع سياسة الاقتراض لرقابة البرلمان والهيئات المختصة.

وقال الحزب، في بيان عن أمانته الاقتصادية، إن الأرقام تستوجب مساءلة وطنية حول طبيعة الخيارات الاقتصادية ومدى انعكاسها على المواطنين والقطاعات الإنتاجية، مشددا على أن التمويل ليس إنجازا في حد ذاته، وأن القروض لا تتحول إلى ثروة وطنية إلا إذا انعكست على الإنتاج وفرص العمل ومستوى المعيشة، ورافضا تحوّلها إلى «أرقام للاستهلاك الإعلامي» في ظل استمرار البطالة والفقر.

وطالب بإصدار تقارير دورية عن أوجه استخدام هذه التمويلات ونسب تنفيذ مشاريعها، وبتوجيهها نحو القطاعات الإنتاجية، وبألا تقتصر المساءلة على البنك الدولي بل تشمل مختلف المؤسسات المالية الإقليمية والدولية.

ومهما يكن فإن الاطراف الثلاثة متفقة على أن حجم التمويل ليس إنجازا بذاته، ويختلفون في موضع الخلل: فالنائب يراه في حجم الاستدانة، وغورمو عبدولي  يراه في ضعف الصرف والتنفيذ والرقابة، وولد المنير في منهج القراءة نفسه، فيما يطالب الحزب بالشفافية أساسا للحكم. والسؤال الذي يظل بلا جواب معلن هو نسب الصرف الفعلي في كل مشروع على حدة.