الحدود بين موريتانيا والسنغال: قصةقرية يقسمها... وتبقى فيها وشائج الأخوة العابرة للحدود

على ضفة نهر السنغال، الذي يشكل الحدود الطبيعية بين السنغال وموريتانيا، تقف قرية "كيداخار" مقسومة بين ضفتين، لكن سكانها على الجانبين حافظوا على علاقاتهم الأسرية والجوارية، على إيقاع النهر الهادئ والقرابة التي لم تنقطع.

تفصل أكثر من عشرة كيلومترات بين القرية الواقعة في بلدية بوخول ومدينة ريتشا-تول السنغالية، حيث تنفتح الدرب الترابية بعد دوار الخروج من المدينة، ليتغير المشهد فجأة بين حقول قصب السكر التابعة للشركة السكرية السنغالية من جهة، وحقول الأرز الخضراء الممتدة من جهة أخرى.

ويقول شيخ القرية، فيو غاي، إن أجداد القرية السنغالية هم من عبروا النهر في مطلع القرن العشرين ليؤسسوا "كيداخار" الموريتانية، مضيفا أن الاسم لم يتغير قط، وأن المصاهرة والاختلاط تبعا طبيعة هذا الانتقال، إذ تُعقد الزيجات بين القريتين، ويشارك السكان في كل المناسبات من الجانبين.

تداعيات أحداث 1989

قبل أحداث 1989، كان سكان "كيداخار" السنغالية يملكون حقولا داخل الأراضي الموريتانية، أكثر مما يملكون في الضفة السنغالية، وكان أقاربهم الموريتانيون يأتون لاستغلال أراضي أجدادهم لزراعة الدخن والبطاطا الحلوة ومحاصيل أخرى.

غير أن الأزمة الدبلوماسية بين البلدين عام 1989 قلبت الموازين، إذ استعادت موريتانيا أراضيها ورحّلت جزءا كبيرا من السكان نحو السنغال، ولم تبق سوى أسرة واحدة تقريبا في "غيداخار" الموريتانية، فيما أمضى بعضهم ثلاث سنوات على الأقل في السنغال قبل تسوية وضعهم والعودة.

ورغم أن كل طرف أصبح يزرع أرضه في جانبه، لم تختف يوما الروابط الأسرية وحسن الجوار، حيث يسهّل قارب مزوّد بمحرك التنقل بين القريتين في المناسبات كالأعراس والعمادات وغيرها من الاحتفالات.

ويؤكد ماكودي جاو، أحد أعيان "كيداخار" السنغالية، أن العلاقات مع الأقارب على الضفة الموريتانية ظلت ممتازة منذ الطفولة، مضيفا: "أحمل في داخلي قناعة بأننا العائلة نفسها. أبناؤنا يواصلون الزواج فيما بينهم، ومجموعات الشباب تتبادل الدعوات في دوريات كرة القدم والأعياد".

شباب يواصلون العادات 

من جانبهم، يواصل الشباب إشعال جذوة الأخوة بطريقتهم، إذ يقول تيدياني نداي، نائب رئيس الجمعية الرياضية والثقافية في "كيداخار"، إنهم يعبرون النهر بانتظام للعب في "كيداخار" الموريتانية، مضيفا: "إخوتنا هناك يدعوننا للمشاركة في دورياتهم. وقبل عيد الأضحى الماضي، جاء فريق جيلي للمشاركة في دورينا في أقصى درجات الأخوة".

وعلى المستوى الاقتصادي، تشير فاتو ديان، رئيسة التجمع الاقتصادي للنساء، إلى استمرارية التبادلات، قائلة: "نعمل في تحويل المنتجات المحلية كالأرز، وجيراننا من الضفة الأخرى لا يترددون في القدوم لشرائه. إنهم عملاء أوفياء".

ورغم الأراضي المصادرة والقطيعة الاقتصادية التي أعقبت أحداث 1989، بقيت الأخوة سليمة، إذ لا تسجل إلا صعوبات إدارية محدودة مقارنة بمناطق حدودية أخرى، حيث تصدر البلدية شهادات الإقامة بعد تحقيق قبل استكمال باقي الوثائق.

معضلة العزلة

غير أن العزلة تبقى المشكلة الحقيقية للقرية، حسب شيخها فيو غاي، إذ تصبح "كيداخار" شبه متعذر الوصول  لها خلال موسم الأمطار بسبب انقطاعها عن ريتشا-تول بحقول شركة السكر، وقد تنقل السكان مؤخرا رفقة الإمام للتباحث في حلول لفك العزلة.

ويبقى نداء الشيخ للشباب واضحا: "نطلب منهم فقط الحفاظ على جذوة الأخوة، كما فعل أجدادنا وكما فعلنا نحن منذ الصغر. الحفاظ على هذه العلاقات ضروري لتستمر القريتان في العيش بانسجام".

رابط المقال:

https://www.courrierinternational.com/article/reportage-la-coexistence-p...