موريتانيا: 3.27 مليار دولار من "وعود" البنك الدولي.. بين وهم التمويل وواقع التنمية

منذ عام 1960، وقعت موريتانيا في شراك "التمويلات" الدولية، حيث تلقت على مدى 66 عاماً ما مجموعه 3.27 مليار دولار كتمويلات معتمدة من البنك الدولي. غير أن هذه الأرقام الضخمة، التي قد تبدو للوهلة الأولى دليلاً على نجاح سياسات التنمية، تثير تساؤلات جوهرية حول حقيقة ما تحقق على أرض الواقع، وحول جدوى هذه الديون التي أثقلت كاهل الاقتصاد الوطني.

في هذا التحليل، نكشف النقاب عن المفارقة الكبرى: كيف يمكن لدولة أن تحصل على أكثر من ثلاثة مليارات دولار من التمويلات، أن تظل غارقة في أزمات هيكلية خانقة، بل وتتراجع في مؤشرات التنمية البشرية؟ وهل نحن أمام "تمويلات" حقيقية أم مجرد "وعود" ورقية؟

أرقام تنطق بالمفارقة

تشير البيانات الرسمية إلى أن موريتانيا وقعت، خلال الفترة من يوليو 2019 إلى يونيو 2026، على تمويلات بقيمة 1.64 مليار دولار، وهو ما يعادل تقريباً ضعف ما حصلت عليه في ستين عاماً كاملة. ولكن، وهنا تكمن المفارقة، فإن هذا "الطفرة التمويلية" لم تترجم إلى تحسن ملموس في حياة المواطن.

ويوضح المحلل الاقتصادي أن هذه المبالغ ليست "أموالاً نقدية" جاهزة، بل هي "التزامات" و"وعود" بالتزامن مع توقيع اتفاقيات المشاريع، يتم صرفها تدريجياً على فترات قد تمتد لسنوات. والأخطر من ذلك، أن جزءاً كبيراً من هذه التمويلات يُصرف على شكل "منح" أو "قروض ميسرة"، لكنها في النهاية تُحسب كديون تثقل الميزانية.

"الاستدانة بلا تنمية": التناقض الصارخ

تقدم الأرقام صورة قاتمة عن واقع التنمية في موريتانيا، حيث بلغ مؤشر رأس المال البشري 0.38 فقط، مما يعني أن الطفل الموريتاني لا يحقق سوى 38% من إمكاناته الإنتاجية عند بلوغه سن 18. كما أن نسبة الأطفال في سن 10 سنوات الذين لا يستطيعون قراءة وفهم نص بسيط تبلغ 95%، وهي من أعلى النسب في منطقة الساحل.

وفي الوقت الذي كانت فيه موريتانيا "تغرق" في التمويلات، ارتفعت نسبة الفقر متعدد الأبعاد لتصل إلى 56.9% (77% في الريف)، وفقاً لدراسة صادرة عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) والبنك الدولي عام 2022. وتُظهر الإحصاءات أن ما يقرب من ربع الأطفال دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية المزمن.

لعنة الموارد ورهان الغاز

يعزو الخبراء هذه المفارقة إلى استمرار هيمنة النمط الاقتصادي الريعي منذ عام 1960. فرغم أن المعادن تمثل 19% من الناتج المحلي الإجمالي وأكثر من ثلاثة أرباع الصادرات، إلا أن البلاد لا تزال تعتمد على تصدير المواد الخام واستيراد كل شيء، بما في ذلك الغذاء.

ومع بدء إنتاج الغاز من حقل "السلحفاة الكبرى" (GTA) في ديسمبر 2024، يخشى الخبراء  من أن يؤدي تدفق عائدات الغاز إلى تفاقم ظاهرة "لعنة الموارد" حيث ترتفع قيمة العملة المحلية، مما يجعل القطاعات الأخرى غير قادرة على المنافسة، ويزيد الاعتماد على العائدات الريعية.

ماذا بعد 3.27 مليار دولار؟

بعد 66 عاماً من التمويلات، يجد المواطن الموريتاني نفسه أمام واقع متناقض: دولة قادرة على سداد ديونها (سددت 788 مليون دولار حتى أغسطس 2026)، لكنها عاجزة عن تحويل هذه الأموال إلى تنمية حقيقية. فالمشاريع التعليمية التي مولها البنك الدولي لم تحقق النتائج المرجوة، والبنية التحتية  ماتزال هشة.

ويختتم المحلل مقاله بتحذير صارخ: "الرهان القادم، المتمثل في الإطار الاستراتيجي 2026-2030، لن يُقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة، بل بالقدرة على كسر هذه الحلقة المفرغة من الاعتماد على الريع وعدم القدرة على تحويل الثروة إلى رأس مال بشري". فموريتانيا، التي نجحت في البقاء، عليها الآن أن تثبت قدرتها على الازدهار.

رابط المقال:
https://www.cridem.org/C_Info.php?article=797085