
في منطقة الحوض الشرقي جنوب شرق موريتانيا، يعيش آلاف اللاجئين الماليين في ظروف إنسانية بالغة الصعوبة، بين مواقع عشوائية تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، وذكريات مؤلمة عن العنف الذي دفعهم إلى الفرار من بلدهم.
من مخيم مبيرا إلى المواقع العشوائية
منذ سنوات، تشهد منطقة الحوض الشرقي تدفقًا مستمرًا للاجئين الماليين الفارين من النزاع المسلح في شمال مالي. وفي عام 2012، وبعد سقوط شمال مالي بيد تحالف من الحركات الانفصالية والجماعات الجهادية، جُمع اللاجئون في مخيم مبيرا قرب باسيكونو، الذي أصبح ثالث أكبر مدينة في موريتانيا بـ120 ألف نسمة. غير أن تجدد المعارك عام 2023 بين القوات المسلحة المالية وحلفائها من جهة، وجماعات مسلحة من جهة أخرى، أدى إلى إخلاء قرى بأكملها ونزوح آلاف الأشخاص نحو هذه المنطقة النائية.
وهكذا، ومع بلوغ مخيم امبرا طاقة الاستيعابه القصوى، شُجّع اللاجئون الجدد على الإقامة لدى المجتمعات المضيفة، لكن الواقع مختلف؛ إذ يعيشون أساسًا في مواقع عشوائية متناثرة في هذه المنطقة شبه القاحلة، بعد أن فروا من قراهم على عجل تاركين وراءهم ممتلكاتهم وحياتهم. وإذا كانوا قد وجدوا الأمان في موريتانيا، فإنهم يواجهون فقرًا مدقعًا، لا سيما خلال موسم الجفاف الممتد من نوفمبر إلى يوليو، حيث تشح المياه وتتفاقم انعدام الأمن الغذائي.
أزمة صحية تفاقم معاناة السكان
وفي خضم هذه المعاناة، برزت أزمة صحية حقيقية، إذ تقول الدكتورة إيزابيل مانغيه-يولا إن العرض الطبي كان أصلاً غير كافٍ للسكان المحليين، وأن موجة اللاجئين الجديدة فاقمت الوضع، ما دفع أطباء بلا حدود للتدخل لتلبية احتياجات كبيرة في الرعاية الصحية الأولية، للموريتانيين والماليين على حد سواء. وإلى جانب سوء التغذية، تسجل الفرق الطبية حالات عديدة من فقر الدم والأمراض المزمنة لدى البالغين، مثل السكري وارتفاع ضغط الدم، وهي أمراض تتطلب تناول أدوية بانتظام، وهو ما تعيقه المسافات وصعوبات حفظ الأدوية في مخيمات تفتقر إلى الكهرباء.
ولعل هذه المعاناة الجسدية ليست سوى وجه واحد من مأساة أعمق، إذ تحكي الدكتورة إيزابيل عن مريضة مالية حضرت إلى إحدى العيادات المتنقلة وهي تعاني سوء التغذية، وقالت إنها تأكل ما تجده وأنها بالكاد تملك قوة للأكل. وعندما سُئلت عن سبب نقص الكالسيوم لديها رغم انتشار الثروة الحيوانية في المنطقة، انهارت باكية، وقالت إنها كانت تملك مواشي وحليبًا بوفرة في مالي، أما هنا فلا تشرب قطرة حليب واحدة. وكان بكاؤها تعبيرًا عن معاناة نفسية عميقة مرتبطة بفرارها من مالي.
صراع يومي من أجل الماء
وإذا كان الوصول إلى المياه تحديًا كبيرًا في المنطقة بأكملها التي تضربها آثار الاحتباس الحراري بقوة، فإنه يتحول إلى صراع يومي بالنسبة للاجئين الجدد. وبما أن العمل الإنساني يتركز بشكل كبير على مخيم مبيرا، فإن المواقع العشوائية المحيطة به تُهمل، وغالبًا ما تقع بعيدًا عن آبار المياه، ما يضطر سكانها إلى قطع كيلومترات طويلة بالعربات أو سيرًا على الأقدام لملء عبوات المياه، على أمل ألا يجدوا الخزان فارغًا عند وصولهم.
تعرض دائم للعنف
وفي مقابل هذا العطش اليومي، يقف لاجئون عطشى إلى الأمان، إذ يعبر مدنيون جرحى الحدود نحو موريتانيا عدة مرات شهريًا بحثًا عن الرعاية الصحية غير المتاحة في وسط وشمال مالي. وفي منتصف سبتمبر 2026، نُقل ثلاث نساء ورجل أصيبوا في غارة بطائرة مسيرة إلى مركز صحي في أغور تدعمه أطباء بلا حدود، بعد استهداف مخيمهم الواقع على نحو عشرين كيلومترًا من الحدود. وتروي مريم، 45 عامًا، التي أصيبت بجرح عميق في فخذها بسبب شظية، أنها عندما سمعت صوت طائرات مسيرة أدركت أن "فاغنر" تهاجم القرية، وأن مأواهم تعرض للقصف، ففر الجميع، مؤكدة أن هؤلاء الرجال اعتدوا أيضًا على عائلة في حفل زفاف، وضربوا رجلاً حتى الموت وألقوا جثته في بئر. وبعد هذه الصدمة، ترفض مريم العودة إلى قريتها في مالي.
وتؤكد دراسة أجرتها "إيبيسنتر" عام 2025 حجم هذا العنف، إذ تعرضت غالبية الأشخاص الذين شملتهم الدراسة، القادمين من مناطق تومبوكتو وسيغو وكوليكورو، لأشكال متطرفة من العنف شاهدوها أو عاشوها قبل وأثناء نزوحهم، من بينها التعذيب والإعدامات التعسفية والاختطاف والنهب والعنف الجنسي والتدمير المتعمد.
النساء أولى الضحايا
وفي صدارة ضحايا هذا العنف تقف النساء، إذ تشير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن 83% من الوافدين الجدد هم نساء وأطفال يفرون من انعدام الأمن في شمال ووسط مالي. وتوضح سيلفي مبايرو، المسؤولة عن أنشطة الصحة النفسية في أطباء بلا حدود بموريتانيا، أن بعض النساء يقلن إنهن عشن أمورًا مروعة، لكن الأعراف الاجتماعية تمنعهن من الحديث عن الاغتصاب الذي يعد موضوعًا محظورًا، لأن المرأة المغتصبة تُعد عارًا للأسرة وللمجتمع بأكمله، وتخاطر بالنبذ، لذا تفضل الأسرة عدم التحدث بالأمر حتى لا تُوصم ويمكنها الزواج والحصول على حياة طبيعية.
دعم نفسي لا غنى عنه
ومن ثم، يعاني كثير من اللاجئين الماليين الذين تستقبلهم أطباء بلا حدود من اضطرابات نفسية. ويؤكد برنامج "إيبيسنتر" أن اللاجئين، رغم وجودهم في أمان، يبلغون عن استمرار الآثار الجسدية والنفسية المرتبطة بالعنف، وتزداد سوءًا بسبب ظروف حياتهم الصعبة. وبمعدل ستة مرضى جدد أسبوعيًا في المراكز التي تتدخل فيها المنظمة للدعم النفسي والاجتماعي، لا يمثل هؤلاء سوى جزء صغير من الاحتياجات الفعلية، في ظل صعوبة تحديد المحتاجين وسط سكان متناثرين في الصحراء.
ويشكل نقص المتخصصين تحديًا إضافيًا، إذ لا تضم منطقة الحوض الشرقي سوى طبيب نفسي واحد. ولمعالجة هذا النقص، أنشأت أطباء بلا حدود برنامجًا يتيح للطاقم الطبي غير المتخصص في الصحة النفسية معالجة الاضطرابات الاكتئابية والذهانية، في خطوة أولى لمساعدة آلاف الأشخاص على إعادة بناء حياتهم، حيث يقدم أخصائيو صحة نفسية مدربون من المنظمة جلسات دعم نفسي واجتماعي في أربعة مراكز صحية قرب الحدود المالية.
حكاية حسينة: حين يختلط العنف بالفقر
وفي هذا السياق، تبرز حكاية حسينة، 60 عامًا، التي لجأت إلى أطباء بلا حدود بعد صدمة تعرضت لها في غارة بطائرة مسيرة في مارس 2025. كانت حسينة، اللاجئة في موريتانيا، تذهب أسبوعيًا إلى سوق "جدير" في قرية مالية تبعد نحو عشرة كيلومترات عن الحدود الموريتانية، لبيع البامية المجففة، مصدر رزقها الوحيد منذ مغادرتها مالي قبل عامين. وفي 16 مارس 2025، وبينما كانت في السوق مع زوج ابنتها، حلقت طائرات مسيرة فوق السوق متتبعة سيارات قريبة، وأسفرت الانفجارات عن عشرات القتلى والجرحى، ومات زوج ابنتها أمام عينيها. تقول حسينة: "بعد هذا الهجوم، لم أعد قادرة على النوم". وبعد تلقّيها رعاية طبية ومتابعة نفسية من مستشار في أطباء بلا حدود تزوره شهريًا، استعادت قدرتها على النوم، لكنها لم تعد تذهب إلى السوق لبيع الخضروات، وتضيف: "حياتي اليوم أصعب من قبل، فأنا أواجه صعوبة أكبر في إيجاد الطعام، وخاصة الماء".
رابط المقال:
https://www.msf.fr/actualites/mauritanie-dans-le-sud-du-pays-les-refugie...












